محمد أبو زهرة
72
المعجزة الكبرى القرآن
وجوه الإعجاز البلاغي 43 - إن كل شئ في القرآن معجز من حيث قوة الموسيقى في حروفه ، وتآخيها في كلماته ، وتلاقى الكلمات في عباراته ، ونظمه المحكم في رنينه ، وما وصل إليه من تأليف بين الكلمات ، وكون كل كلمة لفقا مع أختها ، وكأنما نسيج كل واحدة قطعة منه تكمل صورته ، وتوحد غايته ، ومعانيه تجدها مؤتلفة مع ألفاظه ، وكأن المعاني جاءت مؤاخية للألفاظ ، وكأن الألفاظ قطعت لها ، وسويت على حجمها . ثم هو الذي يدركه كل ذي قوة فكرية بمقدار إدراكه ، والمعنى صحيح في كل إدراك صحيح ، وفي كل ذي طاقة سليم ، بلا تخالف ، يسمعه المؤمن فيقر به ويؤمن بما جاء فيه ، ويسمعه المخالف فيدرك الحق من ثنايا كلماته ومعانيه إن أخلص في جانب الحق ، وإن لم يؤمن فإنه يدرك ما في القرآن من خواص لا يصل إليها كلام كائنا من كان قائله . جاء في كتاب الشفاء للقاضي عياض : « حكى أن عمر بن الخطاب رضى اللّه تبارك وتعالى عنه كان يوما نائما في المسجد فإذا هو برجل قائم على رأسه يتشهد شهادة الحق فاستخبره ، فقال له : إني من بطارقة الروم ممن يحسن كلام العرب وغيرها ، وإني سمعت رجلا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم فتأملتها ، فإذا قد جمع فيها ما أنزل على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة وهي : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [ النور : 52 ] ، وحكى الأصمعي أنه سمع كلام جارية فقال لها : قاتلك اللّه ما أفصحك ! فقالت أو يعد هذا فصاحة بعد قول اللّه تعالى : وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ( 7 ) [ القصص : 7 ] ، فجمع في آية واحدة بين أمرين ، ونهيين ، وخبرين ، وبشارتين . فهذا نوع من إعجازه منفرد بذاته غير مضاف إلى غيره على التحقيق » « 1 » . وهكذا نرى كل إعجاز القرآن من نواح شتى ، ربما تعز على الاستقراء ، ففي موسيقاه لا يسع سامعه إلا أن يصغى بقلبه ، وقد رأيت كيف كان العرب يتفقون على ألا يسمعوا لهذا القرآن ويلغوا فيه ثم يذهب إليه المتفقون فرادى فيلتقون جماعة . ولقد كان لموسيقى القرآن ونظمه روعة عند كل سامع ، حتى من لا يفهم العربية ، فإن لكلماته ونظمه ومده وغنه ، ونهاية فواصله ، ووقفه - ما يسترعى من لا يفهم العربية ، وإذا كان لا يفهم معنى الكلمات . فإن النغم يعطيه صورا رائعة .
--> ( 1 ) الشفاء للقاضي عياض ص 169 .